الهند
قوة لا يستهان بها
تستعد الهند الآن لتصبح أحد الجيوش الأربعة الأقوى على مستوى العالم مع نهاية العقد الحالي. مما يحتم علينا التفكير ومعرفة ماذا يعني هذا الكلام ؟
تستعد الهند الآن لتصبح أحد الجيوش الأربعة الأقوى على مستوى العالم مع نهاية العقد الحالي. مما يحتم علينا التفكير ومعرفة ماذا يعني هذا الكلام ؟
ذي ايكونوميست – الهند – النسخة المطبوعة 30- آذار – 2013
ترجمة عبد القادر خطاب
على عكس العديد من الدول الآسيوية و على نقيض الباكستان المجاورة للهند لم تكن الهند يوماً مدارة من قبل جنرالاتها العسكريين. وكانت المناصب العليا لرؤساء القطع العسكرية المندرجة تحت اسم مستعمرات راج من نصيب الهندوس دوماً في حين كان المسلمون غائبين نوعاً ما عن المظهر العسكري الهندي. و عند حصول الهند على استقلالها عزم السياسيون الهنود الذين كان لديهم نزعة قوية نحو السلم و السلام على ابقاء الجنرالات العسكريين في مناصبهم و هو ما حصل بنجاح.
لكن هذا كان له ثمن يجب دفعه. أحدها أن الهند كان واضحاً أنها تفتقر لما يمكن تسميته بالثقافة الاستراتيجية. لقد خاضت الهند عدة حروب منها الحرب مع الصين و التي باءت بخسارتها, و خاضت عدة حروب مع الباكستان و التي ربحت أغلبها إن لم نقل جميعها و هي تواجه العديد من المخاطر منها الإرهاب الجهادي وحركات التمرد الماوية المستمرة. زمع هذا كله نجد أن الساسة الهنود يظهرون بعض الدلائل عن معرفتهم بكيفية وجوب توزيع النفوذ العسكري في البلاد.
يجب معرفة أن النفوذ العسكري الهندي ينمو بسرعة كبيرة فالهند كانت المستورد الأكبر للأسلحة على مستوى العالم في السنوات الخمس الماضية. وقد قاربت الهند الآن على الانتهاء من صفقة بقيمة 12 مليار دولار لشراء 126 طائرة حربية من فئة رافال من فرنسا. و الهند لديها عدد جنود فعال أكبر من أي بلد آسيوي آخر ما عدا الصين. و قد قامت برفع ميزانيتها الدفاعية إلى 46.8 مليار دولار. و هي اليوم سابع أكبر دولة من ناحية الإنفاق العسكري عالمياً. و تقول شركة آي اتش اس جين و هي شركة استشارية أنه بحلول عام 2020 ستكون الهند سبقت اليابان و فرنسا و بريطانيا لتصبح الدولة الرابعة من حيث الانفاق العسكري. و لديها الآن ترسانة نووية تقدر بأكثر من ثمانين رأساً حربياً و التي تستطيع زيادة عددها إلى أكثر ن هذا بكثير بسهولة فائقة و لديها من الصواريخ البالستية ما يمكنها من إصابة أي بقعة مستهدفة في باكستان. وقد قامت الهند حديثاً بالقيام بتجربة صاروخ ذو مدى يصل إلى 5000 كيلومتر أو 3100 مايل و الذي يستطيع الوصول تقريباً إلى أي بقعة في الصين.
ماذا عليها أن تواجه ؟
بعيداً عن التصريحات الشفوية المعتادة و المعاقل الفكرية في نيو دلهي فإن القياديين الهنود يظهرون القليل من الاهتمام فقط فيما يتعلق بالأمور الاستراتيجية و العسكرية. و نجد أيضاً أن التحليلات و المراجعات الاستراتيجية الدفاعية كتلك الموجودة في أمريكا و بريطانيا و فرنسا و التي يتم وضعها من قبل الضباط في الخدمة و المستخدمين المدنيين المقادين من قبل السياسيين غائبة عن الوجود في الهند.
و تعتبر القوات المسلحة الهندية أن وزارة الدفاع بحالة يرثى لها من حيث الأمور العسكرية, مع وجود القليل فقط من الخبرات المطلوبة لتقديم النصح و المشورة فيما يتعلق بالامداد و التموين ( كما ان القوات المسلحة منزعجة جداً من سيطرة وزارة الدفاع على الترقيات الكبرى ). و المستخدمون المدنيون يمرون مرور الكرام على الوزارة عوضاً عن بناء عمل بستمر لمدى الحياة في الوزارة. ووزارة الخارجية التي يجب أن تكون من أهم الكيانات من حيث وضع التصورات للرؤية الاستراتيجية في الدولة ضعيفة جداً. فسنغافورة التي لا يتجاوز عدد سكانها الخمسة ملايين لديها وزارة خارجية ذات كيان يعال الكيان الموجود في وزارة الخارجية الهندية. بينما نجد أن كيان وزارة الخارجية الصينية له حجم يعادل ثمانية أمثال ذلك الموجود لدى الهند.
المخاطر البارزة التي تواجهها الهند معروفة للجميع: الباكستان التي بدأت تضمحل و لكانها لا زالت ذات خطورة عالية, الصين المختالة و المخيفة. و نستشعر في الحالة الأولى مظاهر التفوق الذي يميل إلى الاستحقار بينما نرى في الحالة الثانية شعوراً بالنقص و الحسد لما أصبحت الصين عليه. من ناحية مستقبل الهند كقوة كبرى ووضعها الاقليمي نجد أن الصين هي الأهم لكن العلاقة المزعجة مع باكستان لا تزال تهيمن على التفكير العسكري الهندي.
نجحت محاولة حديثة العهد لتحسين العلاقة بين الطرفين الهندي و الباكستاني نوعاً ما. لكن التوتر السائد على طول خط التحكم الذي يفصل ما بين الجانبين في ظل غياب خدود متفق عليها في اقليم كشمير يمكن أن يشعل الموقف في أية لحظة.
و لتعقيد الأمور أكثر مما هي عليه الآن فإن العلاقة بين الصين و باكستان جيدة ووثيقة و الصين لم و لن تترفع عن تشجيع الباكستان على كونها شوكة في حلق الهند. كما أن الباكستان تستعمل الجهاديين للقيام بالحرب بالوكالة ضد الهند تحت مظلتها النووية كما يصفها الهنود الغاضبون. و الهجوم على البرلمان الهندي الذي حصل في 2001 من قبل المجموعة الارهابية التي تدعى جيش محمد و التي تربطها علاقات قوية مع الاستخبارات الباكستانية جرت البلدين إلى شفا الحرب. و ذكرى هجوم 2008 على مومباي من قبل المجموعة الارهابية لاشكار اي طيبة لا تزال حديثة العهد.
و إمكانيات الباكستان النووية لا تزال مصدر قلق فترسانتها من الرؤوس الحربية التي تم تطويرها بمساعدة الصين تقدر في أضعف الحالات بما تملكه الهند و ربما أكبر من ترسانة الهند فالباكستان تملك صواريخاً ذات تصميم صيني و التي تستطيع الوصول إلى أغلب المدن الهندية و على عكس الهند فإن باكستان لا تنطبق عليها قاعدة ( عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية ). و تقوم باكستان بتطوير ترسانتها النووية للحرب و التي يمكن وضعها تحت إمرة الضباط في الحرب حتى تتمكن من معادلة الكفة مع الجيوش الهندية التقليدية الأكثر تطوراً .
و الهند الأكبر و الأكثر ثراءاً بكثير و التي تميل إلى ربح معاركها مع باكستان تخطط لفعل ذلك مجدداً إذا شعرت الهند بالاستفزاز من الجانب الباكستاني . و كان الجيش الهندي يعمل طوال العقد الماضي على خطة تعرف بالبداية الباردة و التي يمكن من خلالها اختراق الجيوش الهندية لباكستان مع تغطية جوية قريبة. و الفكرة من هذه الخطة هي إلحاق الضرر بالجيوش الباكستانية خلال 72 ساعة فقط و السيطرة على الأراضي بسرعة كافية حتى تمنع باكستان من القيام بضربة نووية. على المستوى التكتيكي فإن هذا يتطلب قدرة عالية من الأسلحة الفائقة التطور و التي لا نتوقع أن تكون الهند تملك منها شيئاً. أما على الصعيد الاستراتيجي فإن هذا الأمر سيجعل باكستان في حيرة من أمرها و سيجعلها تتردد قبل اطلاق الأسلحة النووية و أنها سوف تقف عاجزة أمام التقاليد الهندية من حيث القدرة على ضبط النفس. الضباط المدنيون الهنود و السياسيون ينكرون دوماً بشكل يصعب تصديقه أن شيئاً مثل خطة البداية الباردة موجودة بالأصل.
و يقول أحد المفكرين الهنود في مركز التحليل السياسي السيد كارناد أنه يعتقد بأن الخطر الباكستاني على الهند ليس في مكانه لأن باكستان آخذة في الذبول و أنها ليست بالخصم العسكري الذي يجب الحذر منه. و هو يرى أن خطة البداية الباردة هي طريق مظلم سوف يؤدي إلى هدر الموارد المالية و العسكرية و التي يجب أن يتم استعمالها لكبح الهيمنة الصينية. والكثير يؤيدونه الرأي في ذلك.
في عام 2009 قام السيد أنتوني بالتصريح للقوات المسلحة أنه يجب عليهم اخذ الصين بعين الاعتبار كمصدر قلق عوضاً عن باكستان و أنه يجب عليهم أن يطوروا أنفسهم بناء على ذلك. لكن لم يتم الاستماع له . ويرى السيد كارناد توجها استراتيجياً مدنياً ضعيفاً ممزوجاً بالفكر الفطري المحافظ للجيش الهندي مما يوقف الهند عما يجب عليها أن تقوم به.
يقع خط السيطرة و الصراع الفعلي بين الهند و الصين في منطقة آروناشال براديش و التي يشير إليها الصينيون بجنوب التيبت, و موضوعها ليس شائكاً بقدر مشكلة الهند و باكستان في اقليم كشمير. فهناك محادثات دائرة بين الهند و الصين تهدف إلى حل مشكلة الحدود منذ 10 أعوام و على 15 جولة من المباحثات. و قام مسؤولون من الطريف في العديد من المناسبات بالتصريح و التأكيد أن الخلاف الحدودي لم و لن يمنع البلدين من متابعة العمل معاً لتحقيق أهدافهم المشتركة الأخرى.
لكنه من الصعوبة بمكان أن يتم تجاهل نبص الاستثمار الصيني السريع في الصناعات العسكرية.
يقول السيد غورميت كانوال من مركز دراسات الحرب البرية أن الصين قد قامت بمد خط حديدي بطول 58 الف كيلومتراً يقوم بالعمل في كافة الظروف المناخية و بنوا خمس قواعد جوية و مراكز إمداد و تموين ومراكز اتصالات. و بهذا تستطيع الصين الضرب بقوة و بسرعة عالية إذا ما قررت الاستحواذ على الأرض المحكومة من قبل الهند و التي تدعي أنها تابعة لها. و يضيف السيد كارناد بأنه يظن بأن الجيش الصيني قد عود نفسه على التفاعل السلبي في التخطيط عندما يكون الأمر متعلقاً بالصين و قد حرم الجيش الهندي نفسه من وضع الوسائل لشن هجوم مضاد في حال قررت الصين البدء بحرب مع الهند.
في حين عدم كون الهند نداً للصين على الأرض فإنها تستطيع أن تقوم بالرد على الصين من خلال البحر. و قد تم تمرير هذا الكلام عبر قنوات شبه رسمية من خلال مستند استراتيجي تم تسميته ( عدم الانحياز 2 ) تم تقديمه العام الماضي من قبل بعض مستشاري الأمن القومي السابقين مع تبريكات المستشار الحالي شيفشانكار مينون. الهند لديها ميزة بحرية قد تمكنها على سبيل المثال من تضييق الخناق على النواقل النفطية المتجهة للصين عبر مضيق مالاغا.
يقوم كل من الصين و الهند بتطوير القوات العسكرية البحرية بسرعة كبيرة من قوات حماية السواحل إلى تطوير وسائل و أدوات تستطيع بسط السيطرة إلى ما هو أبعد من ذلك. ومن المتوقع أن تملك الهند و الصين مع نهاية العقد الحالي ثلاثة مجموعات من الحوامل و النواقل البحرية لكل منهما. و يعتقد بعض الاستراتيجيون الهنود أنه بسبب قيام الصين بتوسيع مدى وصولها في المحيط الهندي لحماية الموارد الطبيعية التي تهمها فإنه من المحتمل جداً أن يدخل البلدان في صراع عسكري بحري بالإضافة إلى الصراع العسكري البري.
تقوم البحرية العسكرية الصينية بالتوسع بشكل لا يمكن للهند أن تكون نداً له فبحلول عام 2020 سيكون لدى الصين 73 سفينة حربية أساسية و 78 غواصة اعمل 12 منها على الطاقة النووية – لكن بالمقابل فإن البحارين الهنود منافسون بشكل جيد جيداً فهم يملكون و يشغلون ناقلة طائرات حربية منذ ستينيات القرن الماضي.
و بينما بدأت الصين بتعلم اللعبة منذ زمن قريب فقط فإن الهند تخشى ما تقوم به الصين من تطويرات على الموانئ البحرية في الباكستان و سريلانكا و بنغلادش و ماينمار والذي يعرف بحبل اللؤلؤ حول المحيط الذي يحمل اسم الهند كلقب له. و قد صرح السيد أنتوني في شباط المنصرم قائلاً بأن قيام شركات صينية بإدارة المرفأ الباكستاني غوادار هو أمر يدعو للقلق.
و ترى الصين تهديداً لها بسبب تور العلاقات العسكرية البحرية بين الهند و فييتنام و كوريا الجنوبية و اليابان و أكثر ما يثير قلقها هو التحالف الهندي الأمريكي. و تقوم الهند الآن بمناورات مشتركة بحرية مع أمريكا أكثر من أي بلد آخر في العالم.
لدى البحرية الهندية الأفضلية من حيث الخبرة و التضاريس المساعدة و بعض الأصدقاء المتنفذين إلى جانبها. لكن بالمقابل فإن البحرية الهندية لديها علاقة متقلقلة مع بقية الأطراف العسكرية الداخلية فلها ميزانية لا تتجاوز 19% من الميزانية الدفاعية العسكرية مقابل 25% كحصة لقوات الدفاع الجوي و 50% للجيش الهندي البري.
كما أن القوى الجوية الهندية لها حصة الأسد من تمويل المعدات الحربية للجيوش الهندية اجمالاً – فلها ضعف ما يتم تمويل البحرية به. و هي الآن تقوم بشراء طائرات رافال القتالية الفرنسية كما تقوم بتزويد طائراتها القديمة الروسية الصنع بأسلحة و رادارات جديدة. كما بدء مشروع مشترك ما بين شركتي هندوستان لعلوم الطران المحدودة و شركة سوخوي الروسية لتطوير طائرات من الجيل الخامس تنافس طائرات اف 35 الأمريكية المقاتلة. بالإضافة إلى تلبية الطيارين الهنود و إرضاء حاجتهم إلى طائرات سريعة ومناورة. و بالإضافة إلى ذلك كله فإن القوى الجوية الهندية تقوم الآن بالتركيز على ( الوسائل المساعدة ) فهي بصدد المفاوضات الآن لشراء 6 طائرات اير باص اي 330 عسكرية و خمسة طائرات جديدة للتحذير المسق. كما أنها استطاعت حل مشكلة الضعف في النقل الجوي الثقيل بشرائها لعشرة نواقل بوينغ سي 17 الهائلة الحمولة مع التفكير بشراء المزيد منها. الموضوع الأكثر غموضاً هنا هو الأهمية التي تعطيها القوات الجوية لحاجات الجيش البري لتغطية جوية قريبة المدى عوضاً عن دورها التقليدي المتمثل في الدفاع الجوي. خاصة بعد خسارة الشجار حول من سيقوم بقيادة الهيليكوبترات القتالية.
بينما يقوم الجيش البري بالتدرب على الحرب الخاطفة ضد باكستان و القوات البحرية الهندية تتحضر لمواجهة الصين في مغامرة مائية بامتياز.
يستطيع أي كان أخذ الانطباع بأن كلاً من القوات العسكرية الهندية تخطط للحرب الخاصة بها بدون أدنى جهد أو تفكير في متطلبات الطرفين العسكريين الآخرين في الهند. مع أن التشجيع الشفوي موجود لدعم التعاون في التخطيط و العمليات و العقيدة القتالية لكن هذا الكلام الشفوي يبقى كلاما دون تنفيذ. الهند ليس لديها قائد أركان للدفاع من النوع الذي تملكه أغلب البلدان. و الحكومة دائمة الشك بالقوات المسلحة لا تبدي أي اهتمام بأي نصيحة عسكرية. ولا حتى القواد الحربيون يرغبون بذلك بسبب غيرتهم من حكمهم الذاتي لأنفسهم.
إن غياب الثقافة الاستراتيجية و قلة الثقة بين الوزارات المرؤوسة من قبل المدنيين و الما بين القوات المسلحة أضعفت من الفعالية العسكرية للهند بطريقة أخرى عبر نظام مشتريات أكثر سوءاً من الموجود في دول أخرى.
إن قطاع الصناعة العسكرية الهندي يتم التحكم به من قبل منظمة الأبحاث و التطوير العسكرية المترامية الأطراف التي لا تزال عالقة تحت سيطرة الدولة وتاريخها الحمائي الطويل. و بحسب تحليل حديث صادر عن وزارة الدفاع الهندية نجد أنه فقط 29% من المنتجات التي تم تطويرها بواسطة المنظمة خلال خلال السبعة عشر عاماً المنصرمة قد تم إدراجها في الخدمة في القطاع العسكري. و للمنظمة سمعة سيئة جداً من حيث عدم لحاقها للتقنيات الحديثة و بسبب تخبطاتها المكلفة جداً.
كانت كلفة تطوير الدبابة الثقيلة ( آرجون ) أكثر من المتوقع بعشرين مرة. لكن السيد آجاج شوكلا الضابط السابق و الذي يكتب الآن في مجلة بيزنيس ستاندارد في المجال الدفاعي أن الجيش الهندي يميل إلى الابقاء على دباباته الروسية القديمة من تي 72 و الحديثة من فئة تي 90 لأنه يخاف أن تكون آرجون مع وزنها الثقيل غير قابلة للاعتماد عليها.
كما أن البرنامج الذي يرمي لبناء طائرة حربية خفيفة لاستبدال مقاتلات ميراج و ميج 21 قد بدأ منذ 25 عاماً و لكن طائرات تيجاس التي نتجت عن البرنامج لم تدخل في الخدمة حتى الآن.
لكن يجب علينا التفاؤل ببعض علامات التغيير التي تلوح في الافق. فمع ابداء الاهتمام و السماح بالشراكات مع القطاع الخاص الهندي الصغير لكن النامي في مجال الدفاعات و مع الشركات الاجنبية و التي يجب أن تلعب دوراً في نقل التقنية بشكل أسرع. لكن الصفقة الهندية لشراء مقاتلات رافال قد واجهت الصعوبات لأنه و على الرغم من رغبة شركة داسو الفرنسية بالتحالف مع شركات من القطاع الخاص مثل تاتا و ريلايانس إلا أن الحكومة تريدها أن تعمل مع شركة هال المملة. و حتى لو كان لداسو الفرنسية حرية اختيار الشركاء إلا أنه من غير الواضح أبداً معرفة قدرة الصناعة الهندية على تلبية كمية العمل التي سيجلبها العقد الذي سيبرم معها.
قام ريتشار بيتزينغر المحلل السابق في شركة راند و المحلل الحالي في مدرسة راجاراتنام للدراسات العالمية في سينغافورة بتلخيص المشكلة الهندية في دراسة حديثة قام بها لصالح الشبكة العالمية للعلاقات العامة و الحماية في زيوريخ و تقول هذه الدراسة بأنه إن لم تتوقف الهند عن التغاضي عن أفعال مجمع الصناعة العسكرية لديها فإنها لن تتمكن أبداً من تزويد قواتها المسلحة بالمعدات الحديثة التي ستحتاجها.
بدون جهود حثيثة و صادقة لإصلاح القطاع فإن جزءاً كبيرا من المئتي مليار
دولار المخصصة للأسلحة على مدى الخمسة عشر عاماً القادمة سيتم إهدارها.
النمر و النسر
إن النقود التي ستصرفها الهند في الخارج تحمل خطراً كبيراً في طياتها. فغالباً ما تحمل الصفقات الخارجية الكبيرة طابع الفساد. و التحقيقات في اتهامات تتعلق بالرشوة قد تتسبب في تأخير تسليم معدات مستعجلة لسنوات عديدة. آخر فضيحة من هذا النوع حصلت في صفقة بقيمة 750 مليون دولار لشراء طائرات هليكوبتر من فينميكانيكا الإيطالية. و قد أنكرت الشركة أي ممارسات خاطئة تتعلق بهذه الصفقة لكن النتيجة كانت أنه تم إيقاف الصفقة حتى إشعار آخر.
تقف بريطانيا و فرنسا و اسرائيل و على رأسهم جميعاً روسيا التي لا تزال تحصل على حصة تقدر بخمسين في المئة من واردات الهند من الأسلحة يقفون شرهين و مستعدين على باب الهند كي يستفيدو من ولائم شراء السلاح القادمة.
و أمريكا ستحصل على عقود كبيرة مع الهند أيضاً لكن بغض النظر عن الصفقة النووية الكبيرة بين البلدين في عام 2005 و العلاقات الآخدة في التحسن ما بين البلدين فإن الهند لا تزال تعتبر أمريكا شريكاً سياسياً لا يمكن الاعتماد عليه و ينبع انعدام الثقة هذا جزئياً بسبب العلاقات الأمريكية الباكستانية القوية و أيضاً بسبب قرارات حظر تصدير السلاح السابق و أيضاً من إحساس الهند بأنها الشريك خديث العهد في علاقة مع الدولة الأبرز و الأقوى عالمياً.
ومشكلة الهند من حيث المدى الذي يجب عليها فيه التقرب من أمريكا هي مشكلة صعبة خاصة عندما ندخل الصين في المعادلة. و يبدو أن امريكا و الهند لهما نفس الأهداف فكلاهما لا يريدان أن يصبح المحيط الهندي بحيرة صينية. لكن الهند لا تريد أن تجعل الصين تشعر بأن الهند تتحالف مع أمريكا ضدها. و الهند قلقة ولا تشعر بالأمان بسبب علاقة أمريكا المعقدة و الخشنة مع الصين و التي هي في نفس الوقت علاقة هامة لدرجة أن الهند تشعر أنه في وقت الأزمات ستقوم أمريكا بالتخلي عن الهند عوضاً عن قيامها بمجابهة الصين.
و أي قرار بحري هندي بتضييق الخناق على واردات الصين من النفط لن
يتم تنفيذه إذا ما أشار الأصدقاء في أمريكا إلى عدم رضاهم عن هكذا قرار.
و تبقى الهند في حالة من البحث عن حالة أكثر ملائمة لعجلتها الاقتصادية في تعثر و تخبط. ومشاكلها مع باكستان ليست من النوع الذي يمكن حله عسكرياً. و يقول السيد كرناد أن الهند من موقعها القوي يجب عليها أن تقوم ببناء علاقات أقوى مع باكستان من خلال بعض الأعمال التي تدل على حسن النية من الجانب الهندي مثل تخفيض عدد القوات المسلحة المنتشرة في صحراء راجاستان و عبر سحب صواريخها قصيرة المدى على سبيل المثال. و يقول الجنرال أشفق بارفيز كاياني رئيس القوات المسلحة الباكستانية أن الإرهاب الداخلي أكثر خطراً على باكستان من العداوة مع الهند مما قد يشكل فرصة أيضاً لتحسين العلاقات بين البلدين.
إن الثقة الصينية في قواها العسكرية الجديدة محط قلق و خوف للهند. لكن إذا كان الاستعلاء الصيني أحد مصادر الحنق و الغضب قد تكون المشاكل الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية ومحاولة ارضاء الرأي العام المعادي للأجانب أسوأ بكثير.
اليابان و كوريا الجنوبية لديهم كل الثقة بالتحالف الرسمي مع أمريكا. أما الهند لا تملك هذه الثقة. و هي الآن بصدد بناء علاقات جديدة مع جيرانها في الشرق من خلال التعاون العسكري و الصفقات التجارية. لكنها لا تزال غير راغبة في الانضمام إلى أطار مؤسسة شراكة أمنية أكثر قوة.
عوضاً عن قبام الهند بوضع فكر استراتيجي واضح فإنها تقوم بالمراوغة على حسب الموقف الذي تواجهه بسبب حذرها الشديد و جمودها البيروقراطي المفرط. و الرمز الذي يشير إلى هذا الخلل هو التردد الهندي في إصلاح القاعدة الصناعية العسكرية التي تقوم بهدر هائل في الأموال و تقوم بتزويد القوات المسلحة بمعدات دون المستوى مما يجعل البلد واقعاً تحت رحمة الأجانب فيما يتعلق بالتحديث العسكري.
منذ استقلالها كانت الهند محظوظة في تجنب الوقوع بالمخاطر بسبب ثقافتها الاستراتيجية الضعيفة. و سمح لها طموحها العسكري المتواضع أن تتجنب المشاكل و أن تستطيع التركيز على أمور أخرى. لكن بما أن الصين أصبحت في مرحلة التخزين و التضخيم العسكري أصبح ضعف التخطيط الاستراتيجي الهندي عبئاً و مسؤوليةً. و أصبح هذا الضعف عقبة تواجه الحلم الهندي بأن تصبح هذه الدولة قوة عظمى في القرن الواحد و العشرين.
المصدر:

No comments:
Post a Comment