Monday, July 1, 2013

العالم يسير نحو البدانة.ماذا يمكن ان نفعل حيال هذا الامر الخطير؟

الصورة الواضحة

ذي ايكونوميست 15 ديسمبر 2012
ترجمة: رشا عيطة


عندما يحين وقت الغداء في مدرسة ايستسايد في مدينة كلينتون،ولاية ميسيسبيي الولاية الاكثر سمنة، في البلد الاكثر سمنة في العالم الغربي، لا يسعك الا ان تلاحظ مشرفة الطعام وهي بلباسها الرسمي معلنة استعدادها لتقديم وجبات الطعام وفي المقابل يقف التلاميذ ذوي التسع اعوام ملتزمين بالصف والأطباق بايديهم.حيث يلاحظ اختيارهم لحليب الشوكولا وسندويشات الدجاج والفاصوليا المخبوزة وجيلو البرتقال متجاهلين اطباق السلطة المصفوفة وقد زينت البندورة والخس بقطع الثلج.في وقت المحت فيه المسؤولة عن اعداد لائحة طعام الغداء في مدرسة كلينتون الى ان شعبية البروكلي بين الطلاب في تزايد مما يدعو للطمأنينة.

كما أشارت ايضا الى ان اقناع الاطفال باهمية تناول الخضراوات لا يصنف بالامر الهام عالميا ولا يتم تصنيفه ضمن الاولويات.ومع كل الحريات الموجودة في اميريكا فهي قلقة من نوعية الطعام الذي يتناوله مواطنيها وقلة ممارستهم للرياضة حيث نال هذا الامر اهتماما بالغا على المستوى الوطني.

وتجدر الاشارة الى ان ثلثي مواطني اميريكا من البالغين يعانون من الوزن الزائد. ويندرج هذا الامر تحت ما يسمى "مؤشر كتلة الجسم" حيث يعاني من البدانة كل من تشير كتلة اجسامهم الى الرقم 25 او اكثر ، فالرجل العادي مثلا بطول يبلغ 175 سم (5،9 قدم) يجب ان يكون وزنه 77 كيلو غرام (170 باوند). واللافت في الموضوع الى ان 36% من البالغين و17% من الاطفال لا يعانون فقط من الوزن الزائد بل يعانون من مرض البدانة ومع مؤشر كتلة جسم يتجاوز ال 30 مما يعني ان الفرد يزن 92 كيلو غرام لنفس الطول الانف ذكره. واذا استمر الوضع الحالي على ماهو عليه فان نصف سكان اميريكا سوف يعانون من البدانة بحلول عام 2030.

ان هذه الارقام المخيفة قد تصدم الاميركيين ولطالما طبعت في مخيلة بقية العالم ان الهمبرغر والصودا والبوظة صناعة اميركية بامتياز تماما كصناعة نجوم السينما.




كما أن الطعام الذي يقدم في معارض الولاية يصيب بمرض البدانة فعلا. ففي معرض ولاية ميسيسبي مثلا يتم تقديم بسكويت الاوريو المقلي ذو العجينة الهشة الناعمة والمغطى بطبقة مقرمشة من كريمة الشوكولا الحلوة والذي لا يمكن مقاومته ابدا. 

وليست بقية دول العالم بمنأى عن البدانة لذلك لا يمكنهم السخرية من الشعب الاميركي.ووفقا للمعلومات الحديثة التي يشير اليها السيد ماجد عزاتي من كلية امبريال،لندن والسيد غريتشن ستيفنز من منظمة الصحة العالمية.فإن ناقوس الخطر بات يقرع أبواب العديد من البلدان الاخرى. وفي المقابل لا يسعنا انكار أن مواطني بعض الدول الاوربية حافظوا نسبيا على رشاقتهم.ومنهم نساء سويسرا فهم الانحف كما ان معظم الفرنسيات لا يصابون بالسمنة وهو امر يدعوهم للتفاخر (15% من نساء فرنسا فقط يسمنون) ولكن الامر مختلف كليا في بريطانيا فحوالي 25% من البريطانيات مصابات بالبدانة و24% من الرجال البريطانيين كذلك. ويحتل رجال التشيك المركز الاول في البدانة بنسبة 30%.

ان مشكلة البدانة لاتقف عند البلدان الغنية فحسب بل تتسع لتمشل دائرتها جزر المحيط الهادي ومنطقة الخليج. حيث يعاني اطفال المكسيك من البدانة تماما كجيرانهم في الشمال.ففي البرازيل حلت صورة الشخص القصير والبدين محل صورة الشخص الممشوق الطويل فقد بلغت نسبة البدانة 35% في عام 2008. ولم تسلم الصين التي عانت سابقا من مجاعة مدمرة. لم تسلم من البدانة وبمعدل واحد من بين كل اربعة اشخاص حيث تصدر سكان المدن اللائحة. ووفقا للدكتور عزاتي فقد بلغ عدد الذين يعانون من الوزن الزائد او البدانة في عام 2008 (1،5 مليار شخص) اي ما يعادل ثلث سكان العالم حيث تضاعف تقريبا معدل البدانة عما كان عليه في عام 1980

غنى الارض
لم يمض وقت طويل كان فيه قلة الطعام المتوفر محور القلق في العالم. ولا يمكن انكار ان سوء التغذية لا تزال واحدة من اكبر المشكلات التي تواجهنا في بعض المناطق: ففي عام 2010 لوحظ ان 16% من اطفال العالم وخصوصا في صحراء افريقيا وجنوب اسيا يعانون من انخفاض الوزن.ومع ذلك فان النسبة قد انخفضت منذ 20 عاما حيث كانت 24%. وفي دارسة استمرت منذ عام 1992 الى عام 2000 شملت 36 دولة نامية اكتشف باري بوبكين من جامعة نورث كارولينا ان معظم النساء في تلك البلدان عانوا من زيادة في الوزن لا من قلة الوزن.

إن التفسير الانسب لهذه الظاهرة الفريدة كان لأبقراط ، الطبيب الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد . حيث يقول في فيما يعتبر "قاعدة عامة"، "ان مفاهيم وعادات الناس تنبع من المحيط الذي يعيشون فيه" ان النساء والرجال على حد سواء من مختلف الثقافات و الاعمار وفي فضاء عقود عدة ، لم يكونوا ليفضلوا العيش بنهم أو بكسل على العيش بكد وببساطة.ولكن البيئة المحيطة بهم قد تغيرت بشكل متسارع وبالتالي تغيرت سلوكياتهم معها.

ويرجع هذه التغيير بمعظمه الى النمو الاقتصادي.حيث ان مؤشر كتلة الجسم ارتفع طرديا مع الناتج المحلي الاجمالي الذي بلغ 5000 دولار سنويا لكل شخص. فقد بات الازدهار يعني ان تهجر الدراجات العادية لتحل محلها الدراجات النارية والسيارات. وقد استبدل العمل الميداني بالجلوس خلف المكاتب. والجدير بالذكر ان حصة البلدان الغنية من ممارسة مواطنيها للتمارين الرياضية اقل بمرتين من البلدان الفقيرة.

ووفقا للطرح المهم لبويد سوينبرن من جامعة ديكن في ملبورن فان طرق الانظمة الغذائية تتغير باستمرار.حيث تستطيع العائلة الواحدة ان تاكل الكثير من انواع الطعام ونخص بالذكر منها تلك التي تحتوي على دهون وسكريات اكثر. حيث تقضي الأم وقت طويلا في العمل على حساب الوقت اللازم لاعداد الطعام. وتتنافس شركات الطعام في التسويق لمنتجاتها.ويشير ريتشارد رانغام من جامعة هارفرد الى أن كثرة تناول الطعام المعالج يمكن ان يساعد في زيادة معدل البدانة. حيث تحتاج الأطعمة اللينة الى جهد اقل لتتفكك في الجسم كما يهضم الجسم الحبوب المطحونة بشكل كامل وهذا يكسب الجسم سعرات حرارية اكثر.

ان تفاعل هذه التغيرات العالمية مع العوامل المحلية يخلق انواعا مختلفة من المشاكل في مختلف المناطق. وعلى صعيد اخر فإن سوء التغذية في بعض البلدان سيؤدي الى ارتفاع محتمل في معدلات البدانة. حيث ان الامهات الذين يعانون من سوء التغذية ينجبون اطفالا اكثر عرضة لزيادة الوزن مما يجعل الاطفال في الدول النامية أكثر ميلانا للسمنة.

وقد كان صنبور مياه مشكوك بأمره ومهارة والمام بشؤون التسويق، سبباً لتربع المكسيك كالدولة الأولى في العالم في استهلاك الكوكا كولا. ففي السنة الماضية استهلك الشخص البالغ ما معدله 728 حصة من المشروب الغازي. وفي اميريكا، تعد الوجبات السريعة ارخص سعرا من الوجبات الصحية. ان بعد المسافات في الضواحي ووفرة الطعام جعلت من السيارة غرفة الطعام الجديدة. وفي الشرق الاوسط لطالما عبرت عادات البدو في الضيافة والولائم عن الثراء والوضع المادي، ويعد الافراط في الطعام عادة ليلية.وقد تقابل الرغبة في ممارسة الرياضة بالرفض تبعا لحرارة الجو والقيود الاجتماعية.أما في بكين فيغزو المراهقون والموظفين مطاعم الوجبات السريعة وكذلك الامر نفسه في وانغفوجين. حتى ان الوجبات الصينية المعدة في المنزل باتت تحتوي على لحم وزيوت اكثر من المعتاد.كما ويغدق الجد والجدة الحلويات على احفادهم ان وجدوا!
.
وبالتالي فان كل تلك العوامل مجتمعة سببت الزيادة في معدل السمنة. وفي العديد من الثقافات تم تصوير كبر المقاس كمبدأ مقبول وكاشارة الى الرفاهية.وككل شيئ، للبدانة ثمنها فهي تقلل من انتاجية العامل وعلى المدى الطويل تؤدي الى عدد لا يعد ولا يحصى من الامراض نذكر منها مرض السكر وامراض القلب والسكتات الدماغية وبعض انواع السرطان كمان وتؤثر على الصحة الذهنية. وقد اشار تقرير في عام 2005 في اميريكا الى ان الامراض المرتبطة بالبدانة تستحوذ على خمس الانفاق الطبي.

وأظهرت دراسة جديدة وموسعة للصحة العالمية تزعمها الدكتور كريستوفر موراي من جامعة واشنطن انه منذ عام 1990 اصبحت البدانة اكبر مسبب للامراض. وبالنسبة للنساء فان زيادة مؤشر كتلة الجسم بات ثالث اكثر مسبب للمرض. وفي المقابل انخفض معدل وفيات الاطفال وازداد متوسط عمر سكان العالم وبشكل متسارع. وفي المجمل ان تلك التوجهات تسجل تغييرا في اولويات الصحة العامة. حيث لم يعد الموت المبكر مدعاة للقلق بنفس الدرجة التي يثيرها العيش لعقود طويلة مع المرض.

ومن الواضح ان البدانة اصبحت مشكلة ضخمة نواجهها. ومن الصعوبة بمكان مواجهة العوامل التي تدعم تزايدها كما ان عكس تأثيراتها سوف يتطلب تضحيات كثيرة. ان اي تحرك جوهري او متطرف من مثل منع الوجبات السريعة سينتهك حرية الفرد في تناول ما يحلو له.وبدلا من ذلك تشجع بعض الحكومات مواطنيها على التقليل من تناول الطعام والاكثار من ممارسة الرياضة كما وتلتزم الشركات الغذائية او على الاقل بعض منها بتقديم وجبات غذائية أكثرصحة.

الجدير بالذكر أن معدلات البدانة بدأت بالاستقرار في بعض الاماكن من العالم. ولكن الى الان ما زال مقاس الخصر في ازدياد مستمر. ووفقا لتقدير الدكتور جيانغ هي وزملاء له في جامعة تالن، فانه ومع حلول عام 2030 سيزداد عدد المصابين بزيادة الوزن والبدانة في العالم ليصل الى 3،3 مليار اي الضعف تقريبا.وهذا سيترك اثارا ضخمة على الافراد والحكومات والموظفين وشركات الطعام وصناع الادوية.

No comments:

Post a Comment